عبد الحي بن فخر الدين الحسني
485
نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر
مشايخ المذاهب الأربعة ، وعلماء البلاد الشاسعة ، وحج مرارا واجتمع بالسيد عبد الرحمن العيدروس بمكة المشرفة ، وقرأ عليه « مختصر السعد » ولازمه ملازمة كلية ، وهو الذي شوقه إلى مصر ، فذهب إليها ودخل في تاسع صفر سنة سبع وستين ، وسكن بخان الصاغة ، وحضر دروس أشياخ الوقت ، كالشيخ أحمد الملوى والجوهري والحفنى والبليدى والصعيدى والمدابغى وغيرهم ، وتلقى عنهم وأجازوه وشهدوا بعلمه وفضله وجودة حفظه ، وسافر إلى الجهات البحرية مثل « رشيد » و « دمياط » وسمع الحديث من علمائها ، وكذلك سافر إلى « أسيوط » وبلاد « الصعيد » وتلقى عن علمائها ، ثم تزوج وسكن بعطفة الغسال ، وشرع في تصنيف الكتاب الذي شاع ذكره وطار في سائر الأقطار والأمصار ، الدال على علو كعبه ورسوخ قدمه في علم اللغة المسمى بتاج العروس ، حتى أتمه عشر مجلدات كوامل في أربعة عشر عاما وشهرين ، وعند إتمامه أولم وليمة حافلة جمع فيها طلبة العلم وأشياخ الوقت ، وأطلعهم عليه فشهدوا بفضله وسعة اطلاعه ورسوخه في علم اللغة ، ثم انتقل إلى منزل بسويقة اللالا ، وذلك في أوائل سنة تسع وثمانين فأقبل عليه أكابر تلك الخطة وأعيانها ، ورغبوا في معاشرته لأنه كان لطيف الشكل والذات ، حسن الصفات ، بشوشا بسوما وقورا محتشما ، وكان يعتم مثل أهل مكة عمامة منخرفة بشاش أبيض ولها عذبة مرخاة على قفاه ولها حبكة وشراريب حرير طولها قريب من متر ؛ وكان ربعة نحيف البدن ، ذهبي اللون ، متناسب الأعضاء ، معتدل اللحية ، قد وخطه الشيب في أكثرها ، مترفا في ملبسه ، مستحضرا للنوادر والمناسبات ، ذكيا فطنا ، واسع الحفظ ، عارفا باللغة التركية والفارسية ، فاستأنس به أهل تلك الخطة وأحبوه ، وصار يعطيهم ويفيدهم بفوائد ، ويجيزهم بقراءة أوراد وأحزاب ، فتناقلوا خبره وحديثه ، فأقبل عليه الناس من كل جهة فشرع في إملاء الحديث على طريق السلف في ذكر الأسانيد والرواة والمخرجين من حفظه على طرق